ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
138
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
إلى فرعها ، فلما عملوا بما علموا فتح عليهم وعنهم أقفال الحجب النفسانية والحظوظ الدنيوية ، وكشف عن أبصارهم وعن سرائر بصائر ضمائرهم ، وجلى عنهم الظلمة فنظروا عامة الشجرة وهي الشريعة ، والحقيقة متصلة بالشريعة إذا كان العلم أولها والحقيقة آخرها ، فلما مسك من تمسك بها ، فقوم رزقهم اللّه العلم بعملها فارتقوا إلى أغصانها ، فلما رأوا في سنائها ما لم يروه في أصلها ، فذهلوا ودهشوا ، فبقي أكثر ثمرها ما عرفوه ، فسطع لهم نور منها فظهر لهم أسرارا ، ورأوا بها أنوارا وأزهارا وأثمارا ودررا وجواهر وياقوتا وغرائب وعجائب ، فمنهم من عقل فتكلم عن بعضها ومنهم من سكر ، ثم أفاق فما وعى ولا أفاق ولا عبر عنها ، ومنهم من سكر ثم أفاق فوعى فعبر فما ظهر منهم نتائج الشريعة المحمدية الذي هم تمسكوا بفرضها ونفلها وسننها ، فاتبعوا أمرها حتى فتح لهم من العمل بعلمها ، والاتباع لأمرها نتائج رقت بهم ، يمشون في العلم إلى حيث يشاؤون من الشجرة وعلوها وما فيها ، فبقي خلق كثير يقولون : إن هؤلاء لخارجون معاذ اللّه ، بل يشك الذي ما رأى نورها ولا ارتقى المرتقى الأعلى ، فمنهم من رزقه اللّه الشم والذوق النظر إلى الشجرة المجوهرة ؛ لأن في علاها أوصاف تحير فيها أولو العقول العاقلة ودهشوا عند رؤيتها ، والمشاهدة إلى علوها وعلومها والنظر إلى رقومها والمعرفة بها والإدراك لكل معانيها ما هو مثل من تمسك بأصلها وما ارتقى إلى فرعها . قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [ فصّلت : 30 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن ربه : « لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، فبي يسمع وبي يبصر » « 1 » واللّه تعالى يوفق أولادي . وأما قول من قال فوعزة اللّه إني طيب ، وهذه معرفة من عرف فلو حصل لهم اطلاع لما وقعوا ، ولا يكون الفقير فقيرا حتى يكون حمّالا يحمل ويحتمل ، ولا يؤذي من يؤذيه ، ولا يتحدث في ما لا يعنيه ، ولا يشمت بمصيبته ولا يذكر أحدا بغيبة ، ويتجنب المحرمات ، موقوفا من الشبهات ، إذا بلي صبر ، وإذا قدر عفى ، فهو كالسلطان مهابة ، أو كالعبد الذليل مهانة ، طريقه البذل والإيثار والصفح والاحتمال ، غضيض طرفه ، يعمر الأرض بجسده ، ويسكن العلا بقلبه ، فكل من تحدث في ما لا
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .